FA | EN
2026-10-03 01:56
FA| EN
2026-10-03 01:56

اشتراک گذاری مطلب

النمط المتكرر للأخطاء العربية في التعامل مع إيران؛ من ثورة 1979 إلى الحروب الأمريكية-الإسرائيلية

في الوقت الذي تعرب فيه بعض الدول العربية، في مواقفها الإعلامية، عن قلقها إزاء تصعيد التوتر مع إيران، تظهر في الوقت نفسه مؤشرات على تعاونها الوثيق بصورة أكبر مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة طهران؛ بدءاً من الاتصالات السياسية على أعلى المستويات وصولاً إلى العلاقات الأمنية والعسكرية؛ من التحركات العلنية لدولة الإمارات العربية المتحدة إلى السلوكيات المنافقة للمملكة العربية السعودية.

عفيفة عابدي – خبيرة في قضايا السياسة الخارجية

كانت العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومعظم جيرانها العرب، على مدى ما يقرب من خمسة عقود، إلى جانب القضية الفلسطينية، واحدة من الصراعات الجيوسياسية المستمرة في غرب آسيا، وفق نمط متكرر: القلق العربي من قوة إيران ونفوذها، ومحاولة احتوائهما، والاعتماد على القوى من خارج المنطقة، ثم العودة القسرية إلى تقبل حقيقة وجود إيران وضرورة الحوار مع طهران عندما ترتفع تكاليف المواجهة.

وقد تكرر هذا المسار مراراً منذ الثورة الإسلامية في إيران، إلا أن سياسة الجيران، ولا سيما دول مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي، تبدو وكأنها عادت مرة أخرى إلى نقطة الصفر في هذه الدورة، ولا تزال تنطلق من افتراض إمكانية الحد من قوة إيران من خلال مزيج من الضغوط الخارجية، والتحالف العسكري، والضغوط الاقتصادية، والاحتواء الإقليمي، ودعم منافسي طهران.

تهدف هذه المذكرة إلى التذكير بالأخطاء المتكررة في سياسة بعض الدول العربية، ولا سيما الأنظمة الملكية والإمارات الخليجية في الخليج الفارسي، تجاه إيران، وبالتداعيات المباشرة لذلك.

1. الخطأ الأول: الاعتقاد بإمكانية إخراج الجمهورية الإسلامية من المنطقة عبر الضغوط الخارجية

كانت الثورة الإيرانية عام 1979/1357 صدمة جيوسياسية بالنسبة إلى العديد من الحكومات العربية. ولم تكن المسألة مجرد تغيير حكومة موالية للغرب في طهران؛ فقد حملت الجمهورية الإسلامية منذ البداية رسالة ثورية مناهضة للوضع القائم إقليمياً، واعتبرت بعض حكومات الخليج الفارسي أنها مصدر إلهام للحركات الداخلية ولتغيير النظام الإقليمي ضدها.

وتشكل مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي في سياق هذه التطورات نفسها. كما خلقت الحرب الإيرانية-العراقية بيئة أمنية جديدة، اعتقدت فيها العديد من الدول العربية في الخليج الفارسي أن العراق يمكن أن يشكل سداً في مواجهة إيران.

قدمت دول الخليج الفارسي دعماً مالياً وسياسياً وعسكرياً للعراق. ووضعت الكويت والمملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى موارد كبيرة تحت تصرف نظام البعث بزعامة صدام. لكن من المنظور الجيوسياسي طويل الأمد، برز تناقض واضح. فالقوة التي كان يجري بناؤها لاحتواء إيران تحولت هي نفسها إلى تهديد للدول العربية.

فالكويت، التي قدمت خلال الحرب المفروضة على إيران مساعدات بمليارات الدولارات لنظام صدام، تعرضت بعد عامين فقط من انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، في عام 1990، لهجوم عراقي.

وذلك في الوقت الذي لم يؤد فيه انتهاء الحرب التي استمرت ثماني سنوات عام 1988 إلى إخراج إيران من المعادلة الإقليمية، بل على العكس، استخدمت إيران هذه الحرب بوصفها تجربة أساسية في ضرورة بناء «ردع مستقل».

ولعل هذا من أهم الدروس المنسية للحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات على إيران بالنسبة إلى السياسة الخارجية للدول العربية؛ إذ إن الحرب الأمريكية-الصهيونية-العربية الجارية يمكن أن تتكرر بصورة أخرى، من خلال تنامي قوة إسرائيل وتحولها إلى تهديد وجودي للدول العربية.

2. الخطأ الثاني: تحويل المنافسة الجيوسياسية إلى منافسة هوياتية وطائفية

بعد الثورة، تحول جزء من التنافس بين إيران وبعض الدول العربية إلى صراع بلغة «العرب والفرس»، و«السنة والشيعة»، و«الثورة والملكية». وكان من شأن هذا النهج، على المدى القصير، أن يتيح تعبئة سياسية سنية شاملة ضد إيران، لكنه كان يحمل تكاليف طويلة الأمد من المنظور الاستراتيجي. إذ مكّن إيران من تحويل جزء من المنافسة الإقليمية من منافسة بين الدول حصراً إلى قضية تتعلق بهوية وأمن المجتمعات الشيعية. وفي مثل هذه البيئة، لم تعد إيران تتنافس فقط مع الدول العربية؛ بل أصبحت الشبكات الاجتماعية والدينية والسياسية العابرة للحدود جزءاً من المعادلة أيضاً، وتشكل محور المقاومة.

وقد تفرض الحرب الهجينة الجارية ضد محور المقاومة تكاليف على جماعات المقاومة، لكنها تهيئ المجال لتعاظم قوة الحركات الإسلامية في المستقبل القريب.

3. الخطأ الثالث: الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة

منذ تسعينيات القرن الماضي، بُني جزء كبير من أمن الخليج الفارسي على الوجود العسكري الأمريكي. وربما وضعت هذه السياسة الحكومات العربية تحت المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها أوجدت أيضاً نتيجة غير مقصودة: إذ اعتمدت دول المنطقة، في كثير من الأحيان، بدلاً من بناء هندسة أمنية محلية وإقليمية، على الضمان الأمني لقوة أجنبية.

ونتيجة لذلك، نشأت مفارقة: اقتربت الدول العربية من الولايات المتحدة بصورة أكبر لمواجهة إيران؛ وفي المقابل، رأت إيران، في ضوء هذا المسار، أن التهديد أصبح أكثر حدة؛ وهو ما ساهم في تعزيز سياسات إيران الردعية والشبكية.

وفي نهاية المطاف، دخل الطرفان في دورة أمنية وتصاعد في إدراك التهديد، بحيث أصبح الإجراء الدفاعي من جانب أحد الطرفين يُنظر إليه من جانب الطرف الآخر بوصفه مؤشراً على التهديد.

وهذا الخطأ يتكرر أيضاً في الحرب الجارية، ويمكن أن يؤدي إلى شكل جديد من أشكال الردع الإيراني في مواجهة المحور الأمريكي-الصهيوني-العربي.

4. الخطأ الرابع: افتراض أن إسقاط أو انهيار جماعات المقاومة سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء نفوذ إيران

إن عقوداً من الجهود الواسعة للهيمنة العربية-السعودية في العراق وسوريا ولبنان واليمن لم تؤدِّ إلى النتيجة المرجوة فحسب، بل أدت إلى زيادة النفوذ الإيراني. وفي نموذج السنوات الأخيرة أيضاً، كان ينبغي للعرب أن يدركوا أن البديل عن الوجود الإيراني ليس وجودهم، بل السياسة الصهيونية العدوانية، التي تظهر شواهدها في سوريا ولبنان. لكن على المدى الطويل، يمكن القول إنه حتى إذا تم إضعاف حليف لإيران، فإن نفوذ إيران لا يزول بالضرورة؛ بل قد يتغير شكله فحسب.

5. الخطأ الخامس: الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى استسلام إيران

كانت العقوبات والضغوط الاقتصادية، على مدى العقود الماضية، الأداة الرئيسية للولايات المتحدة وحلفائها ضد إيران، كما دعمت الدول العربية هذه الضغوط. لكن ينبغي التمييز بين هدفين: 1. تقليص موارد إيران؛ 2. تغيير الحسابات الأمنية لإيران.

وقد أدى تصاعد التهديد الخارجي إلى تركيز الموارد مع زيادة الاستثمار في أدوات ردع أقل تكلفة ومحلية الصنع: الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والتقدم في التقنيات الدفاعية المحلية الإيرانية، التي ساعدت في الحرب الجارية على تعزيز قوة وفاعلية الهجمات الانتقامية الإيرانية؛ وذلك بصرف النظر عن التقدم المحلي الذي أحرزته إيران في التقنيات غير العسكرية.

6. الخطأ السادس: التقليل من أهمية الدبلوماسية المباشرة مع طهران

خلال العقود الماضية، كلما دخلت العلاقات بين إيران والدول العربية مرحلة الحوار، ازدادت عادةً إمكانية السيطرة على الأزمات. ومن الأمثلة المهمة على ذلك الاتفاق بين إيران والسعودية في مارس 2023، الذي أعاد، بوساطة الصين، العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأكد الطرفان في نص الاتفاق احترام السيادة، وعدم التدخل، وتنفيذ اتفاقيات التعاون السابقة. وقد كشفت هذه التجربة عن حقيقة مهمة: ليست الدول العربية مضطرة بالضرورة إلى انتظار اتفاق بين إيران والولايات المتحدة من أجل إدارة التوترات مع إيران. ويمكن أن تستمر المنافسة من دون نهج إقصائي. ويمكن للدبلوماسية المباشرة أن تشكل «طبقة مستقلة» في الاستقرار والأمن الإقليميين.

7. الخطأ السابع: الاعتقاد بأن جميع الدول العربية يجب أن تتحد في مواجهة إيران

هذه واحدة من المشكلات البنيوية في السياسة العربية. فقد أثبتت تطورات العقود الماضية، على سبيل المثال، أن مصالح عُمان وقطر ليست متطابقة مع مصالح السعودية أو الإمارات العربية المتحدة. كما أن وضع العراق ليس مماثلاً لوضع قطر أو السعودية والإمارات العربية المتحدة. بل إن السعودية والإمارات، رغم تعاونهما الوثيق، كانت لهما أولويات مختلفة في بعض الملفات الإقليمية. ونتيجة لذلك، فإن محاولة إنشاء «جبهة عربية موحدة ضد إيران» أدت عملياً إلى تعزيز الحركات الإسلامية وحركات المقاومة المتحالفة مع إيران.

في المحصلة

خلال الحرب الجارية أيضاً، تواجه دول الخليج الفارسي، نتيجة تكرار هذه الأخطاء، التداعيات الأمنية والاقتصادية المباشرة للحرب. لكن يبدو أن سياسة الجيران، ولا سيما دول مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي، لا تزال تقوم على افتراض إمكانية الحد من قوة إيران من خلال مزيج من الضغوط الخارجية، والتحالف العسكري، والضغوط الاقتصادية، والاحتواء الإقليمي، ودعم منافسي طهران؛ من دون أن يكون من الضروري بالضرورة إنشاء ترتيبات أمنية مستقرة ومتوافق عليها مع إيران في المنطقة.

لكن التطورات تظهر مرة أخرى أن أي حرب تنخرط فيها إيران، وبسبب جغرافيا الخليج الفارسي، لا يمكنها بسهولة أن تبقى «حرباً بعيدة عن العرب». فضلاً عن ذلك، فإن كل جولة من محاولات احتواء إيران أدت إلى تغيير شكل القوة الإيرانية، وليس إلى إلغائها. وتظهر التجارب التاريخية أن الحرب الجارية يمكن أن تؤدي أيضاً إلى قفزة جديدة في قوة إيران وردعها.

لینک کوتاه خبر:

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *