من أكثر الأجزاء إثارة للجدل في مقال محلل إماراتي في جروزالم بوست، نفيُ التصور القائل إن تغيير النظام وحده يمكن أن يحل مشكلة إيران بالنسبة إلى إسرائيل والإمارات. ويجادل الكعبي بأنّه إذا بقي هيكل السلطة المركزية وطريقة وصول الحكومة الإيرانية، حتى لو كانت حكومة غير أيديولوجية، إلى الموارد البشرية والاقتصادية والعلمية والعسكرية للبلاد من دون تغيير، فإن تغيير الحكومة لن يعني بالضرورة حدوث تغيير مستدام في سلوك إيران الخارجي؛ ومن ثم، فإن الحل يكمن في شيء آخر.
إيران فيو 24 – إعلام
طرحت صحيفة جروزالم بوست، في مقال تحليلي بقلم «سالم الكعبي»، المحلل السياسي والدبلوماسي الإماراتي السابق، سؤالاً حول سبب تحوّل قضية إيران، رغم عقود من الضغوط والعقوبات والهجمات العسكرية ومحاولات احتواء الجمهورية الإسلامية، إلى تهديد إقليمي من جديد وفي مراحل مختلفة.
ويتمثل الاستدلال الرئيسي للكاتب في أن التركيز فقط على «الحكومة» في طهران يتجاهل جانباً أكثر أهمية من القضية: بنية الدولة الإيرانية المركزية وقدرتها على إعادة بناء قوتها العسكرية والإقليمية {في الواقع، يرى الكاتب أن وحدة الأراضي الإيرانية تشكل تهديداً كبيراً لإسرائيل والإمارات وأعداء إيران}. ومن وجهة نظره، فإن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والشبكات الإقليمية، رغم إمكانية استهدافها عسكرياً أو إخضاعها للعقوبات، فإن جذور هذه القدرات تكمن في الموارد البشرية والجغرافيا والطاقة والبنية التحتية الصناعية والمعرفة التقنية والمؤسسات العسكرية الإيرانية. {في الواقع، ووفقاً لرؤية الكاتب، ينبغي استهداف جميع مصادر القوة هذه}
ويشير الكعبي، لتفسير هذه المسألة، إلى عدة نقاط تحوّل. فهو يعتبر الاتفاق النووي لعام 2015 مثالاً على سياسة حدّت، بحسب قوله، من جزء من الأنشطة النووية الإيرانية، لكنها لم تتمكن من حل مسألة النفوذ الإقليمي والبرنامج الصاروخي لطهران بشكل كامل. كما يشير إلى اغتيال الشهيد قاسم سليماني في يناير/كانون الثاني 2020 باعتباره مثالاً آخر ألحق ضربة بالشبكات العسكرية والنفوذ الإيراني، لكنه، من وجهة نظر الكاتب، لم يتمكن من القضاء على هذه الشبكات بشكل نهائي.
ومن هنا يصل الكاتب إلى المفهوم الرئيسي للمقال: دورة «تراكم القوة، الهجوم، إعادة البناء». وفي هذا الإطار، يؤكد الكعبي أن الضغط الخارجي يمكن أن يدمر أو يعطل جزءاً من القدرات العسكرية الإيرانية، لكن القدرات المتبقية في البلاد تتيح، بعد فترة، إعادة بناء جزء من القوة التي فقدتها. وباعتقاده، إذا لم يتم كسر هذه الدورة، فإن أي انتصار عسكري لن يكون سوى توقف مؤقت في عملية إعادة البناء.
لكن المقال لا ينظر فقط إلى تغيير الحكومة في إيران باعتباره حلاً. بل يحذر الكاتب أيضاً من أن تغيير الحكومة من دون تغيير طريقة توزيع وممارسة السلطة داخل إيران {أي، وفقاً لرؤية الكاتب، من دون تفكيك إيران} لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير مستدام في سلوك طهران الإقليمي. ومن وجهة نظره، حتى حكومة أكثر براغماتية قد تواصل، في حال احتفاظها بالقدرات المركزية نفسها ومصادر القوة ذاتها، متابعة بعض الأهداف الإقليمية في المستقبل ولكن بخطاب مختلف.
وفي الوقت نفسه، يدّعي الكعبي أن هدفه ليس إضعاف إيران بشكل دائم، وإنما الحد من تركيبة السلطة المركزية، والأيديولوجيا التوسعية، والسيطرة الحصرية على القرارات العسكرية.
ومن الأجزاء المهمة في المقال التحذير من تداعيات انهيار إيران من دون خطة. ويقول الكاتب إن انهيار الدولة الإيرانية يمكن، بسبب التنوع السكاني ووجود الأسلحة والموقع الجيوسياسي للبلاد، أن يؤدي إلى صراع داخلي وتدخل خارجي واضطراب واسع في مسارات الطاقة والملاحة البحرية. ولذلك، فمن وجهة نظره، فإن إسقاط الحكومة من دون وجود خطة للبنية السياسية لما بعد ذلك يمكن أن يؤدي إلى نشوء أزمة جديدة.
ويتمثل الحل الذي يقترحه الكاتب في تغيير بنية توزيع السلطة داخل إيران. فهو يتحدث عن اللامركزية والفيدرالية، وحتى ترتيبات كونفدرالية في حال قبولها شعبياً؛ وهي نماذج يمكنها، بحسب ادعائه، تقليص احتكار المركز للموارد والثروة وصنع القرار، وزيادة مشاركة المناطق المختلفة في إدارة الموارد والشؤون المالية. {لكن في الواقع، وكما يعترف الكاتب، فإن ذلك يحد من قوة إيران، أو بتعبير أدق، يضعفها}
لكن الكاتب يدّعي في موضع آخر أيضاً أن مثل هذا الهيكل لن يحوّل إيران تلقائياً إلى دولة مسالمة. ومن وجهة نظر الكعبي، تكمن قيمة هذا النموذج بصورة أكبر في إخراج القرارات العسكرية والخارجية الكبرى من احتكار مركز واحد للسلطة، وزيادة التكلفة السياسية والمؤسسية للسياسة الخارجية. كما يؤكد أن فرض مثل هذا الهيكل من الخارج قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويُمكّن الحكومة الإيرانية من تقديم نفسها باعتبارها مدافعة عن وحدة الأراضي والوحدة الوطنية.{وبالتالي، فإن المقترح الضمني للكاتب في الواقع هو أن هذه التغييرات ينبغي فرضها على إيران من الداخل}
وفي النهاية، يطرح الكعبي أربعة مسارات متوازية لمواجهة ما يسميه «التهديد الإيراني» على المدى الطويل: الحد من القدرات الهجومية، والإصلاحات المؤسسية لتوزيع السلطة داخل إيران، والحفاظ على الردع الإقليمي، واستخدام الدبلوماسية والاندماج الاقتصادي لربط تغيير السلوك بالمزايا السياسية والاقتصادية.
وتتمثل الرسالة النهائية للمقال في أن القضية الرئيسية، من وجهة نظر الكاتب، لا تكمن فقط في من يحكم في طهران؛ بل في كيفية تمكين بنية السلطة في إيران من تعبئة الموارد البشرية والاقتصادية والعلمية والعسكرية للبلاد لتحقيق أهداف إقليمية {في الواقع، في مواجهة أعدائها الخارجيين}. ولهذا السبب، يعتقد أن المواجهة المستدامة مع هذه القضية تتطلب تغيير الظروف التي تتيح إعادة إنتاج القوة وتكرار دورة «التراكم، والهجوم، وإعادة البناء». {أي، تطبيق مسار من شأنه القضاء على كامل القدرات الجغرافية والبشرية لإيران}


