مع تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية المحيطة بالسعودية، يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن حالة القلق المتزايدة في الرياض قد تتيح لإسرائيل فرصة لتعزيز حضورها الأمني في محيط المملكة، من خلال تعاون محدود وسري، من دون الضغط المباشر باتجاه التطبيع الرسمي.
طهران – إيران فيو24
رأى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن السعودية تمر بواحدة من أصعب مراحلها الأمنية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزامن مجموعة من التحديات التي تضغط على أمن المملكة واقتصادها، ولا سيما قدرتها على تصدير النفط.
وبحسب تحليل نشره المعهد في 9 سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان «اضطراب الرياض – فرصة إسرائيل»، تواجه السعودية ضغوطاً من عدة اتجاهات؛ إذ يؤثر استمرار الحرب مع إيران واضطراب حركة الملاحة في الخليج الفارسي ومضيق هرمز على قدرة المملكة على تصدير النفط، بينما تمثل هجمات أنصار الله في اليمن وتهديدات الملاحة في باب المندب تحدياً إضافياً للصادرات والمنشآت الاستراتيجية السعودية. كما يشير التحليل إلى وجود مخاوف من تجدد الحرب واسعة النطاق في اليمن، إلى جانب ما يصفه بتهديد المجموعات المسلحة الموالية لإيران في العراق.
الرياض تبحث عن شبكة أمنية متعددة
ويشير المعهد إلى أن رد السعودية على هذه التطورات يتمثل في تنويع مصادر الدعم والشراكات الأمنية، بدلاً من الاعتماد على طرف واحد.
ووفق التحليل، تعمل الرياض على تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتطوير شراكتها الدفاعية مع باكستان، والتعاون مع تركيا ضمن ما يُعرف بـ«تحالف مكة»، إلى جانب الدفع باتجاه أطر أمنية إقليمية لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر.
ويعتبر INSS أن هذه الترتيبات لا توفر، حتى الآن، مظلة أمنية متكاملة للسعودية؛ فالولايات المتحدة تبقى الركيزة الأساسية للأمن السعودي، بينما تضيف باكستان عمقاً عسكرياً وردعياً، وتوفر تركيا قدرات عسكرية وصناعية، في حين توفر الترتيبات الإقليمية الأخرى مستويات إضافية من التعاون.
ويضيف المعهد أن «تحالف مكة» لم يختبر بعد بصورة كاملة قدرته على العمل في ظروف الحرب، خصوصاً في ظل عدم تطابق تصورات أعضائه بشأن طبيعة التهديدات الإقليمية.
«القلق الأمني» يدفع الرياض إلى تعدد الشركاء
وبحسب القراءة الإسرائيلية، فإن تعدد التحالفات السعودية لا يعكس فقط رغبة في توسيع النفوذ، بل يعكس أيضاً ارتفاع مستوى القلق الأمني في الرياض.
ويقول التحليل إن السعودية لا تتجه نحو اختيار حليف واحد، وإنما تعمل على بناء مجموعة من الشراكات الجزئية بهدف تقليل الاعتماد على أي طرف منفرد، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتعدد مصادر التهديد وعدم وضوح مستقبل الترتيبات الأمنية.
وفي هذا السياق، يطرح المعهد إسرائيل باعتبارها طرفاً يمكن أن يضاف إلى شبكة الشراكات الأمنية السعودية، ولكن ليس بديلاً عن الولايات المتحدة، وليس بالضرورة من خلال تحالف دفاعي رسمي جديد.
ما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل للسعودية؟
يرى INSS أن إسرائيل تمتلك، من وجهة نظره، مجموعة من القدرات التي يمكن أن تكون ذات قيمة بالنسبة للسعودية، أبرزها:
- تبادل المعلومات الاستخبارية؛
- الإنذار المبكر؛
- مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة؛
- التعامل مع التهديدات المرتبطة بإيران؛
- مواجهة تهديدات أنصار الله في اليمن.
لكن المعهد يقر في الوقت نفسه بأن التعاون العلني بين الرياض وتل أبيب يواجه قيوداً سياسية كبيرة، خصوصاً بسبب القضية الفلسطينية وموقف الرأي العام السعودي والعربي.
ومن هنا، يطرح التحليل مفارقة أساسية: قد تؤدي زيادة الضغوط الأمنية على السعودية إلى ارتفاع حاجتها إلى القدرات التي تستطيع إسرائيل توفيرها، لكنها لا تعني بالضرورة أن الرياض ستتجه سريعاً إلى التطبيع الرسمي مع إسرائيل.
إسرائيل أمام خيار «التعاون الهادئ»
وبناءً على ذلك، يدعو التحليل الإسرائيلي إلى عدم استخدام الوضع الأمني الصعب في السعودية للضغط على الرياض من أجل دفعها نحو التطبيع.
وبدلاً من ذلك، يقترح أن تعمل إسرائيل على إثبات قيمتها كشريك أمني عبر تقديم تعاون عملي ومن خلال قنوات غير معلنة.
ووفق هذا التصور، فإن زيادة اعتماد الرياض على القدرات الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن تخلق تدريجياً مستوى أكبر من الثقة والتعاون.
ويذهب المعهد إلى أن تقديم إسرائيل نفسها باعتبارها «طبقة أمنية إضافية» للسعودية، من دون مطالبة الرياض بالانضمام الفوري إلى تحالف رسمي أو الإعلان العلني عن التعاون، قد يهيئ، على المدى الأبعد، الأرضية لشراكة أوسع وربما استئناف مسار التطبيع.
التطبيع السعودي-الإسرائيلي بين الأمن والسياسة
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ضوء تحليلات أخرى نشرها المعهد نفسه خلال عام 2026، وبعبارة أخرى، يراهن التصور الإسرائيلي على أن الضغوط الأمنية التي تواجهها السعودية يمكن أن تدفعها إلى توسيع دائرة شركائها، وأن إسرائيل تستطيع محاولة الدخول إلى هذه الدائرة عبر التعاون الأمني والاستخباري، حتى في حال بقي التطبيع الرسمي مؤجلاً.
الخلاصة
يكشف تحليل INSS عن مقاربة إسرائيلية تعتبر الأزمة الأمنية المحيطة بالسعودية فرصة لتعزيز الحضور الإسرائيلي في المنظومة الأمنية الإقليمية. وبدلاً من التركيز على إعلان التطبيع في المدى القصير، يقترح المعهد مساراً تدريجياً يبدأ بالتعاون الأمني المحدود والهادئ، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والإنذار المبكر، ثم يمكن أن يتطور لاحقاً إلى شراكة أوسع.
وبذلك، فإن جوهر المقاربة الإسرائيلية المطروحة هو تحويل الحاجة الأمنية السعودية إلى مدخل لتوسيع التعاون مع إسرائيل، مع تجنب دفع الرياض إلى خطوات سياسية علنية قد تكون مكلفة داخلياً وإقليمياً.


