FA | EN
2025-12-01 02:08
FA| EN
2025-12-01 02:08

اشتراک گذاری مطلب

لماذا لا يُرضي “خطة ترامب للسلام في غزة” المملكة العربية السعودية؟

خلف الابتسامة الحذرة للرياض والإشادة الرسمية بما وُصف بـ«الخطة الشاملة لإنهاء حرب غزة»، تختبئ مجموعة من التناقضات البنيوية: تجاهل فكرة الدولة الفلسطينية، تقليص دور السعودية في صناعة القرار، وفرض عبء مالي ثقيل لإعادة الإعمار على كاهل دول الخليج الفارسي. وفي الوقت الذي تسعى فيه الرياض إلى «التهدئة الكبرى» وتركيز جهودها على المشاريع الاقتصادية والتنموية، قد يتحوّل مشروع ترامب إلى ما تخشاه المملكة أكثر من أي شيء آخر: التورّط في ملفٍ مكلفٍ، عديم الجدوى، محفوفٍ بالمخاطر، وسط أزمة شرعية داخلية وإقليمية متنامية.

إيران فيو 24 – الشؤون الدولية

في 29 أيلول/سبتمبر 2025 كشف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن ما سمّاه «خطة السلام العشرينية لغزة»؛ وهي مبادرة تتضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن خلال 72 ساعة، وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، إضافةً إلى وعدٍ بإقامة «غزة خالية من الإرهاب» وإدارةٍ انتقاليةٍ تكنوقراطيةٍ تحت إشراف هيئةٍ دوليةٍ يرأسها ترامب شخصياً.

وقد أبدت العديد من الحكومات العربية ترحيباً لفظياً بالمبادرة، بل إن مجلس الوزراء السعودي نفسه أشاد بها بوصفها «خطةً شاملةً لإنهاء الحرب». غير أنّ ما وراء هذا الترحيب الأولي يخفي مجموعةً من التكاليف والتبعات التي تجعل هذه المبادرة، على الأقل بصيغتها الحالية، ضارةً بالمصالح الإستراتيجية للمملكة العربية السعودية.

الدولة الفلسطينية: الخط الأحمر الذي يتجاهله مشروع ترامب

خلال العامين الماضيين، كرّرت المملكة العربية السعودية في كل مفاوضات التطبيع شرطاً أساسياً واحداً: من دون مسار واضح ولا رجعة فيه نحو «إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية»، لا يمكن الحديث عن اعترافٍ بإسرائيل. هذا الموقف لم يقتصر على التصريحات الرسمية، بل أكّدته أيضاً تقارير بحثية وسياسية مستقلة.

غير أنّ نصوص وشروح مشروع ترامب تُرحّل مسألة «بناء الدولة» إلى مستقبلٍ غامض، إذ تنصّ على إدارةٍ مؤقتةٍ تكنوقراطية تحت إشراف «هيئة سلام» دولية يرأسها ترامب نفسه، فيما تُؤجَّل مسألة الدولة الفلسطينية إلى ما بعد نجاح هذه المرحلة الانتقالية و«إصلاح» السلطة الفلسطينية، من دون تحديد جدولٍ زمنيٍّ واضحٍ لانسحابٍ كاملٍ للجيش الإسرائيلي. هذا الغموض هو بالضبط ما ترفضه الرياض، لما يحمله من كلفةٍ سياسية داخلية وإقليمية لا يمكن تجاهلها.

تراجع فاعلية السعودية وتسليم الساحة لهيئةٍ أميركية المحور

تقدّم الخطة آليةً تُسمّى «هيئة السلام»، تكون برئاسة دونالد ترامب، مع دورٍ محوري لتوني بلير؛ كما يُناط بهذه الهيئة اتخاذ القرارات وتنظيم التمويل لمرحلة إعادة الإعمار.
وهذا يعني عملياً نقل مركز القرار إلى بنيةٍ أميركية الطابع وشخصانية القيادة، ما يُقلّص وزن الدول العربية من موقع «صناعة القرار» إلى مجرّد «تمويلٍ ومواكبةٍ سياسية».
وهو بالضبط ما يتعارض مع حاجة المملكة العربية السعودية التي تسعى إلى أن تكون فاعلاً مُؤطّراً ومحدّداً للإطار السياسي في الملفّ الفلسطيني، لا مجرد داعمٍ مالي.

إضافةً إلى ذلك، فإن سجلّ الأفكار المشابهة لفكرة «الوصاية المتعدّدة الجنسيات والأميركية» على غزة – ومن بينها الوثيقة المثيرة للجدل المعروفة باسم GREAT Trust التي طُرحت سابقاً في واشنطن – أضعف الثقة العربية وأعاد إلى الواجهة المخاوف من مشروعات نقل السكان.
وجذر هذا الارتياب يعود إلى الوثائق والتقارير نفسها التي كانت قد تحدّثت عن «وصايةٍ لعشر سنوات» بل وعن «نقلٍ طوعيٍّ واسع النطاق».
حتى وإن كانت النسخة ذات البنود العشرين الأخيرة تتحدث عن «عدم الترحيل القسري»، فإن الذاكرة السياسية للمنطقة لا تُمحى بسهولة، وكلّ السلوك الأميركي والإسرائيلي يُقرأ ضمن هذا السياق ذاته.

من أحلام نيوم إلى واقع غزة: الضغط المالي على الرياض وتحدّي مشروع 2030

تُظهر تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أن إعادة إعمار غزة تتطلب ما بين 53 و70 مليار دولار خلال عقدٍ من الزمن، مع حاجةٍ أوليةٍ تبلغ 20 مليار دولار في السنوات الثلاث الأولى.
وطبيعي أن تتجه أنظار واشنطن إلى خزائن الخليج الفارسي لتأمين هذه التمويلات الضخمة.

لكن المملكة العربية السعودية تعاني حالياً من عجزٍ متزايد في الموازنة وضغوطٍ ناتجةٍ عن الاستثمارات الهائلة في إطار رؤية 2030 إلى جانب تراجع العائدات النفطية.
فقد توقّعت وزارة المالية السعودية عجزاً يبلغ 245 مليار ريال (حوالي 65 مليار دولار) لعام 2025، أي ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026.

إن الالتزام المبكر بمراحل إعادة الإعمار المكلفة ضمن هيئةٍ لا تمتلك فيها السعودية حقّ الفيتو أو صلاحية التصميم المؤسسي، يرفع من مخاطر ترسّخ العجز المالي، ويؤدي إلى تحويل الموارد من المشاريع الداخلية ذات الأولوية إلى التزامات خارجيةٍ لا تملك الرياض السيطرة على مخرجاتها.

فقدان القيادة العربية وتصاعد وزن المنافسين

إنّ استدامة وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية (نزع السلاح وترتيب البنية الأمنية) لا يمكن أن يتحققا من دون وساطةٍ قريبةٍ من حركة حماس، وهو الدور الذي تقوم به فعلياً كلٌّ من قطر وتركيا.
وفي واشنطن وتل أبيب يُوصَف الثقل الدبلوماسي للدوحة في قنوات التفاوض حول الأسرى والمحتجزين وتنظيم سلوك حماس بأنه محوري.
وقد صدرت تقارير تشير إلى أن فريق ترامب أجرى اتصالاتٍ سرّية مع الرياض وأبوظبي بهدف طمأنتهما إزاء الآثار المحتملة لتعزيز العلاقة الأميركية – القطرية على مكانتهما الإقليمية.

لكن النتيجة العملية بالنسبة للسعودية هي تراجع ميزة “القيادة العربية” النسبية في هذا الملف، وازدياد وضوح المنافسة الاستراتيجية بين الرياض والدوحة في قضيةٍ تُعدّ الأكثر حساسية في وجدان الرأي العام العربي.

هندسة الأمن في غزة: قوة أميركية المحور وتهمة “شريك الاحتلال” للرياض

تتضمّن خطة ترامب الخاصة بغزة فكرة تشكيل قوة تثبيت دولية (ISF).
غير أن تجربة المنطقة أثبتت أن أي قوةٍ غير وطنيةٍ أو غير محليةٍ في غزة ستواجه كلفةً عالية على مستوى الشرعية إضافة إلى خطر تآكل مهمّتها مع مرور الوقت.
والأسوأ من ذلك، أنّه إذا ما تمّ تعريف هذه القوة ضمن هيئة السلام ذات القيادة الأميركية وليس في إطارٍ محايد للأمم المتحدة يقوم على الإجماع العربي، فإن الدول العربية المموِّلة لها، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ستجد نفسها في موضع اتهامٍ بالشراكة في الاحتلال.

وهذا تحديداً هو الخطر الذي لا ترغب الرياض في تحمّله، لا في الداخل السعودي حيث الحساسية العالية للرأي العام تجاه القضية الفلسطينية، ولا في البيئة العربية – الإسلامية حيث تتصاعد المنافسة الرمزية مع تركيا وإيران حول راية فلسطين.

عدم الانسجام مع منطق “التهدئة الكبرى” السعودية

منذ مطلع عام 2023، اعتمدت الرياض استراتيجية كبرى تقوم على التهدئة مع إيران وإعطاء الأولوية لـ إعادة البناء الاقتصادي والاستثمار.
لكنّ أيّ ترتيباتٍ في غزة يُنظر إليها على أنها وصاية أميركية – إسرائيلية من شأنها أن تثير ردود فعلٍ قوية لدى شعوب محور المقاومة من اليمن إلى العراق، الأمر الذي يعقّد حسابات السعودية المتعلقة بـ أمن الملاحة والطاقة ومشاريع ساحل البحر الأحمر، حتى لو كانت واشنطن تبذل في الوقت نفسه جهوداً لتحييد حركة أنصار الله.

بعبارةٍ أخرى، فإن هذه الخطة تُعَدّ إقليمياً مشروعاً لتوليد التوتّر لا لتخفيفه، وهي تتناقض مع الحاجة السعودية الأساسية إلى بيئةٍ هادئةٍ تسمح بالتركيز على رؤية 2030.

الهشاشة الجوهرية للخطة والمخاطر الكبرى على الرياض: الاستثمار في خطة قد لا تؤتي ثمارها أبداً

المراحل القادمة للخطة لا تزال معلّقة على جدول زمني للتراجع ومعايير نزع السلاح؛ وقد تحدثت بعض الوسائل الإعلامية عن تباطؤ العملية وتحذيرات من اللاعبين الإقليميين بشأن “حافة الفشل”.
إذا توقفت عملية تنفيذ الخطة في منتصف الطريق، فإن السعودية ستبقى ملتزمة بالالتزامات المالية والسياسية الضمنية دون أن تتحقق لها أية نتائج ملموسة (سلام دائم في أفق الدولة). هذا هو أسوأ سيناريو للرياض؛ دفع تكاليف معنوية أمام الرأي العام العربي بينما لم يتحقق أي مكسب سياسي واضح.

تعارض مع الاقتصاد السياسي للشرعية داخلياً في السعودية

تشير استطلاعات الرأي العامة الموثوقة إلى أن حساسية المجتمع العربي تجاه القضية الفلسطينية قد ارتفعت بشكل كبير بعد حرب غزة، وأن الدعم لعملية التطبيع انخفض إلى أقل من 13٪ في معظم الدول المشمولة بالاستطلاع.
وفي السعودية نفسها، الانفتاح على التطبيع غير المشروط منخفض، ويُشترط دعم الدور العربي بالحفاظ على حقوق الفلسطينيين.
أي خارطة طريق تحافظ على الغموض بشأن الدولة الفلسطينية وتضع العبء المالي والسياسي على عاتق الرياض ستولد تكلفة على مستوى الشرعية، حتى إذا تم الإعلان عن الترحيب بها رسمياً.
هذه التكلفة، إلى جانب العجز المالي وضغوط الاستثمارات الداخلية، تجعل تقييم المخاطر للخطة من منظور السياسة الداخلية أكثر تعقيداً.

شروط أساسية لضمان استفادة السعودية من خطة ترامب للسلام في غزة

إذا لم تُترجم الخطة المكونة من 20 بنداً إلى مسار واضح وزمني نحو السيادة الوطنية الفلسطينية؛ وإذا ظلت هندسة الحكم في غزة تحت هيئة أمريكية – شخصية المحور؛ وإذا جعلت قوة التثبيت تكلفة شرعية على الدول العربية بدلاً من الأمم المتحدة؛ وإذا فرض العبء المالي لإعادة الإعمار على الخليج الفارسي دون آليات رقابة وضمان نتائج؛ وإذا زاد وزن المنافسين الإقليميين للرياض في الملف الرئيس، فإن هذه الخطة تمثل مجموعة من المخاطر المتزامنة للدولة السعودية؛ من مخاطر الشرعية الداخلية والمنافسة الرمزية الإقليمية وصولاً إلى المخاطر المالية في ذروة مشاريع التحول الاقتصادي.

إن الترحيب المبدئي للرياض بنهاية الحرب مفهوم؛ ولكن منطق المصلحة الوطنية السعودية يقتضي أن يكون تنفيذ هذا الإطار مفيداً للمملكة فقط إذا تم فتح ثلاثة أقفال أساسية:

أ) ضمان مسار زمني وقانوني واضح نحو الدولة الفلسطينية.
ب) تدويل حقيقي وغير شخصي للحكم الانتقالي وقوة التثبيت.
ج) آليات مالية شفافة ومتعددة الأطراف تربط تمويل الخليج الفارسي بحق القرار والمساءلة وليس العكس.

طالما بقيت هذه الأقفال مغلقة، فإن تقييم “خطة ترامب لسلام غزة” على ميزان الرياض يميل بوضوح إلى ثقل كفة التكاليف والخسائر.

لینک کوتاه خبر:

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *